الوجه الآخر للقمر

هناك، على بعدٍ أكثر من ثلاثمائة وأربعة وثمانين كيلومترًا، كان القمر ككل ليلة يقوم بمهمته التي أوكلها الله- عز وجل-له، كان ينير الأرض ككل ليلة، ولكن هذه الليلة ولسبب ما كان القمر حزينًا، حزينٌ لدرجة أن نوره بهت فبَان لمعان النجوم أكثر من ذي قبل لسكان كوكب الأرض. وبسبب النور الخافت الصادر من القمر، كانت النجوم تتناقل الخبر فيما بينها، نجمة تلو الأخرى، كلهن كانوا يرددن الخبر حتى وصل لمسامع القمر، «أسمعتي؟ القمرُ مريضٌ الليلة!»، وهذا لم يزده سوى حزن على حزن؛ فالقمر لم يكن مريضًا كما يقولون، بل كان ولأول مرة منذ زمن طويل يشعر بالوحدة، الفراغ، كونه القمر الوحيد الذي ينير كوكب الأرض بمفرده عكس أقاربه من الأقمار الذين كانوا يتشاركون المهمة معًا -كانت تؤلمه كثيرًا، لماذا جعله الله وحيدًا؟ لماذا لم يجعل معه قمرًا آخر يؤنسه في وحشته ويتشارك معه الحديث، فقد ملّ من ثرثرة النجوم وتباهيهن المتزايد في كل مرة. «النجوم مغرورة» هذا ما كان يقوله القمر في نفسه وهو يرى غطرستهن وتباهيهن المستمر بأنهن«زينة السماء»، لذلك، هو منذ عدة سنوات توقف عن مسامرتهن ومشاركتهن الحديث خوفًا من أن تتنقل له العدوى ويصاب بداء الكبرِ والغرور مثلهن، فهو يعلم أن الله يكره المتكبرين وقد ذمهم في كتابه، لذلك قد آثر القمر الابتعاد والبقاء وحيدًا خوفًا من أن يكون ضمن تلك الفئة المذمومة، من قبل الله، والناس كافة.

وبينما كان بين القمر وانعدام ثقته بنفسه شعرةٌ واحدة، تناهى إلى مسامعه صوتٌ صغير قادم من كوكب الأرض. الأصوت كانت متداخلة، لذا هو أنصت وركزّ سمعه حتى يميز ذاك الصوت من بين ملايين الأصوات الأخرى، حتى وجده أخيرًا.

« هند، انظري، يبدو أن القمرَ حزين»

دعونا الآن نترك الفضاء قليلًا، ولنعد إلى كوكبنا، كوكب الأرض، فهناك، على ذاك الكوكب، في القارة السمراء وتحديدًا تونس العاصمة، كان هناك طفلٌ وفتاة لم تبلغ الخامسة عشرة بعد يعيشان في أحد المنازل التي يحيطها العشب وبعض الأشجار المتفاوتة في الطول والنوع، ولأكثر من عشرة أمتار لم يكن هناك أي منزل قربهما، وكانت أنوار الحي الليلة منطفئة بسبب عطل أصاب المولدات، فلم يُنِر الحي هذه الليلة غير نور القمر والنجوم في السماء، وهذا قد أعطى للأخوين فرصة جيدة لرؤية القمر والنجوم بشكل أفضل عبر المنظار الذي اشتراه لهم والدهم قبل بضعة أيام.

كان وليد ذي التسع سنوات واقفًا أمام عدسة المنظار يطالع من خلالها السماء ويرى بريق النجوم بشكل أوضح، بينما أخته هند، كانت تجلس على حافة السرير تتصفح كتابًا عن الفَلك وأسماء النجوم وحركة الكواكب، وتمسك بإحدى يديها صحنًا عليه شمعة حمراء. وبينما كانت هند غارقة في عالم الفلك، سمعت هتاف أخيها الذي أخرجها من العالم الذي كانت فيه.

– هند! انظري، يبدو أن القمر حزين.

هذا ما نطق به وليد بعد أن ثبت عدسة المنظار على القمر، وقد بدا له القمر خافتًا كغير العادة، ولم يجد في قاموسه سوى كلمة «حزين» ليصفه بها؛ فقد كانت والدته تسأله في كل مرة تراه حزينًا «من الذي سرق بريقك؟»، لذلك، هو شعر أن بهوت القمر نابعٌ عن حزن أصابه كما يحدث معه عندما يحزن.

– كفاكَ بلاهة، الأجرام لا تشعر!

جاءَهُ ردٌ من أخته على كلامه السابق ليعبس وهو يقول:

– وما أدراكِ؟

– لأن الجماداتِ لا تشعر، والأجرام جمادات، انتهى.

– لم ينتهِ! ما أدراكِ أن الجمادات لا تشعر؟

– وليد! بربك! لقد درسنا هذه في المدرسة، ماذا بك؟

– ولكنّ المدرسة لا تعرف كل شيء.

ناظرته بغرابة قبل أن تسأل وقد ارتفع صوتها قليلًا مستهجنة كلام أخيها.

– من الذي أخبرك هذا؟!

– أبي، أبي كان يقول أن العلم لا يعرف كل شيء، وليس كل ما ندرسه بالمدرسة صحيح.

– حسنًا.. إن كان أبي قد قال ذلك فربما.. ربما يكون صحيحًا، ولكن في النهاية، الجمادات لا تشعر والقمر لا يحزن.

– وما أدراكِ؟

– وليد!

صاحت به هند وهي تغلق الكتاب بقوة بعد أن اكتفت من مجادلته لها وردّه على كل شيء تقوله، ولكن على ما يبدو أن بجعبة الصغير الكثير ليقوله لأنه عاد للردّ مجددًا.

– ماذا؟ لقد قال أستاذ الدين مرة أن جميع المخلوقات التي في السموات والأرض تسبح لله، وبما أن جميع المخلوقات تسبح فهذا يعني أنها تعي، وبما أنها تعي فهي تشعر، انتهى.

قال كلمته الأخيرة مقلدًا صوت أخته لتقلب الأخيرة عيناها بملل قبل أن تقول والدهشة تغلّف صوتها:

– من أين أتيت بهذا الاستنتاج!ولحظة، ألم تقل قبل قليل «ليس كل ما ندرسه في المدرسة صحيح»؟ فما الذي حدث؟

– نعم، قلت ذلك، ولكن هذا ليس كلام المدرسة يا أختي، بل كلام الله.

– حسنًا حسنًا، الحقُّ عليّ لماذا أجادل طفلًا صغيرًا من الأساس؟

زمّ وليد شفتيهِ استياءً من كلام شقيقته، ومن الطريقة التي تحادثه بها في كلّ مرّة يريد فيها أن يناقشها حول موضوع ما، فهي دومًا ما تقلل من قيمة كلامه ومصداقيته بحكم أنها الأكبر منه سنًا وأنها تعرف أكثر منه، وحتى عندما يكون كلام وليد صائبا لا تقوم بمدحه أو الاعتراف بخطئها حتى، وهذه صفة تضايقه جدًا في أخته وتجعله يكن لها بعض مشاعر الكره التي لا تلبث قليلًا حتى تختفي، فهي في نهاية الأمر شقيقته التي ليس لديه سواها.

عاد وليد ينظر للقمر عبر المنظار مرةً أخرى، ثم أدار رأسه ينظر لوجه شقيقته الذي أنارهُ ضوء الشمعة. كان مترددًا، أيفاتحها في الموضوع مجددًا أم يصمت؟ كان خائفًا من أن تصرخ عليه وتغضب منه، ولكنه لم يستطع تجاهل هذا الشعور الذي ألمّ به وجعل كلّ تركيزه منصبًا نحوه، وهو أن القمر حزين، باهت، وكأن رغبته في الحياة قد انعدمت- على أساس أنها موجودة-، فقط، كأنه يريد الاختفاء لمدة، أن يختلي بنفسه قليلًا. كأنه بحاجة إلى إضاءة نفسه من الداخل أولًا بدلًا من إضاءة هذا الكوكب الذي ما عاد أخضرًا. وهنا فكّر وليد، هل تهرمُ الأجرام؟وهل لها أعمارٌ مثلنا؟

– ألن تقولي شيئا؟

ولأنه وليد، ذلك الطفل الفضولي الحساس، والذي يخاف على أصغر المخلوقات، لم يستطع تجاهل ذاك الصوت الداخلي الذي يخبره بتعاسة القمر في هذه اللحظة وأنه بحاجة إلى المواساة، وبأن يخبره أحدهم بكم هو عظيم لأنه ما زال يضيء حتى الآن.

– عن ماذا؟

– القمر، ألا ترينه حزينًا؟

قلّبت هند عينيها في ضجر؛ فيبدو أنه ليس هناك أي نية لأخاها بتناسي الموضوع أو تجاهله، وأنه سيظل (يزيد ويعيد) فيه حتى تؤيده وتوافقه على ما يقول، لذلك، اتخذت هند قرارًا في داخلها بمجاراته حتى يصمت وتمر هذه الليلة على خير.

– حسنًا، وماذا لو كان حزينًا؟ في النهاية أنا أفضل الشمس عن القمر. القمر ليس جميلًا على أية حال.

– ماذا؟ لماذا؟!

– لأن الشمس مضيئة بذاتها، أقصد أنها لا تستمد الضوء من مصدر آخر، عكس القمر الذي يستمد ضوءه من الشمس. وببساطة فإن وجود القمر معتمدٌ على وجود الشمس وإلّا أصبح مجرد جُرمٍ متحجر، وببساطة أكثر.. لا شمس، إذن لا قمر.

كيف يمكن للحقيقة أن تكون أكثر إيلامًا عندما تأتي على لسان شخصٍ آخر؟ عندما يُقِّر بعيبٍ فيك ويستعرضه أمامك محطمًا كل محاولاتك في تناسيه؟ كأنه لا مهرب مما أنت عليه، مهما حاولت تجاهله، تناسيه، فأنت لن تستطيع إنكار وجوده فيك، سيظهر لك بين الحين والآخر مؤكدًا حضوره وأنه جزء منك، أو أنه ذاتك أنت، فكيف ينكر المرءُ ذاته؟ هذا ما كان يدور في خُلد القمر عندما وصلته كلمات هند. وفكر لو أنه كان يمتلك عينين لبكى، وكيف لا يفعل وكل من حوله يؤكد هامشيته وأنه شيءٌ زائد عن الأصل؟ مجرد جُرمٍ يعيش على ضوء الشمس، يقضي جل يومه في إضاءة الأرض والدوران حولها وحول نفسه. هو أبدًا لن يستطيع أن يكون كالشمس، سواء في جمالها المتمحور حول خيوطها الذهبية أو حجمها أو مدى لهيبها، عليه أن يقر أنه مجرد اقتباسٍ عنها، محاولةٌ فاشلة في أن يكون شيئًا انتهت بالفشل وكونه لا شيء. هكذا يرى القمر نفسه.

– ولكنّ القمر جميل. ألا يُشبّهون الناس الجميلة بالقمر؟ يقولون أنتِ جميلة كالقمر أو مضيئة كالبدر. ألا يقولون؟

– نعم، لكن هذا لأنهم يرونه عن بعد، ولكن وإن دقّقوا النظر لوجدوا أنه عكس ما يظنون وما يرونه من بعيد، سيجدونه قبيحًا جدًا، ومليئًا بالحفر والندوب.

– هذا مذهل!

لم يخفَ على هند نبرة الإعجاب والاندهاش التي غلفت كلمات أخيها لتقطب حاجبيها في المقابل مستفسرة:

– ما المذهل؟! أقول لك أنه مليءٌ بالحفر والندوب، ما المذهل في ذلك؟

– ما قلته، أن يكون مليئًا بالندوب ورغم هذا يستمر في الإنارة، هذا حقًا حقًا رائع.

لم تكن هذه مبالغة من وليد، أو محاولة منه للتخفيف عن القمر ومواساته. بل إن اندهاشه وإعجابه ذاك كان نابعًا من أعماقه، صادقًا إلى أبعد حد، ولم يكن مزيفًا بشكلٍ من الأشكال. فبالنسبة له، كان استمرار أحدهم في التقدم والمسير رغم جراحه يثير إعجابه، بل وتقديره كذلك. أن يرى شخصًا مبتور اليدين أو القدمين، أو إحداهما، ورغم ذلك يجده يعمل كما يعمل الآخرون. أو طفلٌ كفيفٌ على مقاعد الدراسة علمهُ أكثر من علمِه وعلم جميع زملائه في الصف، أو أن يكون حافظًا للقرآن خاتمًا له وهو لا يبصر. فكم أغبطه رؤية كفيفي البصر وهم يتوجون بحفظة القرآن رغم عدم رؤيتهم له، ولا كلماته، وكم أغبطه أكثر مديح والده لهم. فأن يكون الشخص المبتور أو كفيف البصر، أو الأصم أكثر تفوقًا منه وهو الصحيح المُعافى يُشعره بالخجل من نفسه؛ فما عذره هو للتكاسل والتهاون في أمور دينه ودنياه؟ ما عذره؟ كما أنه يظل يتساءل، لمَ لم يستسلموا؟ لمَ لم يرضوا بما صاروا عليه واتخذوه ذريعة لعدم قيامهم بشيء؟ لماذا استمروا رغم الجراح التي ملأت قلوبهم وشوّهت أجسامهم؟ لمَ ما زالوا يتوهجون؟ لمَ لم ينطفئوا؟

كانت هند تطالع انبهار أخيها بهذه المعلومة بتعجب شديد، وكيف أنه راح يطالع القمر مرة أخرى عبر المنظار وتلك الابتسامة – غير المفهومة لهند- ترتسم على وجهه، لمَ كل هذه السعادة والانبهار؟

– أنت غريب.

تمتمت.

– ماذا؟ ألا ترين هذا رائعًا؟

– في الحقيقة لا، ما زلت أرى أن الشمس أفضل من القمر، فكما قلت سابقًا، أن القمر يستمد ضوءه من الشمس، أي أنه لا يستطيع العيش بدونها.

– وماذا في ذلك؟ نحن أيضًا نستمد قوانا من مصادر خارجية، وجميعنا لا شيء بدونها، كما أني متأكد أن الشمس تستفيد أيضا من القمر بشكلٍ أو بآخر.

– لا أظن، لم اقرأ أو اسمع شيئًا عن ذلك.

– عدم معرفتك بالشيء لا يعني بالضرورة عدم وجوده أختي.

قلّبت هند عينيها في ضجر. وعلى الرغم من المعارضة التي تبديها على حديث أخيها إلّا أنّ جزءًا منها كان يصدقه، هي لم تكن معارضةً له بالكامل، ولكنها فقط لم ترد أن تظهرَ أقل علمًا منه؛ لذلك عاندت، حاولت إيهامه بأن نظرته عن القمر خاطئة، ولكنها فشلت، إصراره كان أقوى من فكرتها الهشة، إيمانه برأيه كان أصدق من عنادها، وهنا، لا تدري لماذا خطر في ذهنها قصة أبليس وآدم فجأة، أبسبب عنادها؟ أحست بقشعريرة، هي لا تريد أن تكون مثل إبليس، لا تريد أن تتكبر، أن تتعالى، أن تعاند بغير علم. تذكرت الحوار الذي دار بينها وبين والدها منذ عدّة سنوات، عندما سألته عن ما إذا كان سبب خروج إبليس من الجنة بسبب كفره، فأجابها: « نعم، ولكن كفره كان ناتِجًا عن استكباره على الله عز وجل وعناده على موقفه، هو لم يطلب العفو من الله، لم يعترف بخطئه، هو ظنّ أن علمه أكبر من علم الله عز وجل، وهذا في صريح الأمر كفر، فكان هلاك إبليس. ولكن مازال كثير من الناس يسيرون على خطى إبليس، لم يتّعظوا من القصة، لم يقلدوا آدم ويقتدون به في توبته، بل قلّدوا إبليس في تعاليه، لذلك، سترين حمقى يرون أن علمهم الذي جنوه بفضل الله أصح من علم الله، وأنهم أعلم منه، أعلمُ من خالقهم، هم بكل بساطة توجهوا من عبادة الله إلى عبادة علمهم، لأنهم خرجوا ببعض النظريات، والاختراعات، والاكتشافات ظنّوا أنفسهم فوق الله، إنهم يصبحون عبيدًا للعلم الذي سيوصلهم إلى جهنم.»

تذكرت هند كلام والدها، هي لا تريد أن تكون مثل إبليس، ولا مثل العلماء الذي غرّهم علمهم فأهلهكم، هي تريد أن تصبح مثل آدم عليه السلام، أن تخطأ وتتعلم، وأن تظل طالبةً للعلم مدى الحياة.

– لا يمكننا أن نعيش بدون القمر، ولا يمكننا أيضًا أن نعيش بدون الشمس، كلاهما مهمان أختي، إنهما كالأبوين للأرض، الشمس هي الأم، والقمر هو الأب، هل يصلح أن يختفي أحدهما؟ أو أن نقول أننا يمكننا العيش بدون الأم أو يمكننا العيش بدون أب؟ لا يمكن، كلاهما مهمان، كلاهما يقومان بأدوار مختلفة. لا يمكن أن نستغني عن أحدهم على حساب الآخر. القمر مهم، كما الشمس.

صمت قليلًا يطالع ملامح أخته وهو يدعو الله أن تكون قد تفهمت وجهة نظره ولو قليلا، ثم أردف:

– القمر ليس قبيحًا، في النهاية لا أحد كامل غير الله، وجميعنا نملك نقصًا ما، حتى الشمس التي تحبينها قد يوجد من لا يحبها بسبب حرارتها الشديدة! توقفي عن النظر بعينٍ واحدة، توقفي عن النظر إلى الجانب المظلم فقط أختي!

انصتت هند هذه المرة لحديث أخيها ولم تقاطعه، لم تجادله، لم تستصغر رأيه. كان على حق، وليد غالبًا على حق. وهي حقًا قد تأثرت بكلامه وتشبيهاته، الأم هي الشمس، الأب هو القمر، نِعم التشبيه هو!

وهنا، وجدت هند أن هذه هي الفرصة المناسبة لتصحيح خطئها وضم صوتها لصوت أخيها، فقالت:

– أتعلم، في النهاية، أظن أن كلامك صحيح، وأن وجهة نظرك عن القمر صائبة، القمر جميل، رغم الندوب الذي به، رغم ضوئه الخافت مقارنةً بالشمس إلّا أنه جميل، إنّه والد كوكبنا في النهاية، أليس كذلك؟

لم يصدق وليد حديث أخته، لوهلة كان متفاجئًا، ظنّ أنها ستظل على رأيها، ولكنها فاجئته، وما لبثت أن تحولت ملامح الصدمة إلى سعادة وشقت ابتسامة كبيرة وجهه اللطيف، وقال بحماس وهو يقفز:

– نعم صحيح، صحيح، صحيح!

ضحكت هند على ردّة فعل أخيها، لم تتوقع أن سعادته ستكون بهذا الحجم عندما تشاطره نفس الرأي. حتى أن وليد هرول ناحيتها ليعانقها، أو لنقل، يخنقها!

وعودةً لمركز قصتنا، وعمّن دارت حوله القصة، فقد كان بطلنا القمر يريد أن يزيد من وتيرة دورانه حول نفسه وحول الأرض من فرط سعادته. أهذا هو الشعور الذي ينتاب أحدهم عندما يؤمن به أحد؟ أن يعترف به وبدوره في هذه الحياة وألّا يقلل منه؟ هذه كانت أول مرة يجرب فيها القمر هذا الشعور، أنه ذو قيمة، مما جعله يقدر دوره أكثر على هذه الحياة ويقوم بها على أكمل. وليد آمن به، وجعل أخته تؤمن به كذلك. وتساءل القمر، كم شخصًا على كوكب الأرض يؤمن به كذلك؟ هو لا يعلم، ولكنه يظن أن عددهم ليس بالقليل، وأنهم يؤمنون به تماما مثل وليد. هو فقط من لم يؤمن بنفسه، بأهيمته، بجدواه في هذه الحياة، رأى نفسه نكرة في حين كان هناك من يؤمن به، هو لم يكن ينقصه سوى أن يؤمن بنفسه، بنفسه فقط.

أنارَ القمر أقوى من ذي قبل، وكأنه يعلن عودته للحياة مرة أخرى، حياة مختلفة، يرى فيها نفسه بشكل مختلف، دون أن ينكر نفسه أو أن يستصغرها. هو أنار، ليثبت لهم أنه ملك الليل لا أحد سواه، وأنه القمر الوحيد للأرض.

«هند! انظري، القمر لم يعد باهتًا! القمرُ أنار!»

صرخ وليد في حماس قبل أن ينادي على أخته لتطالع القمر عبر المنظار. وقد كان نوره حقًا أسطع من ذي قبل.

أبعدت هند عينها عن عدسة المنظار لتنظر في وجه أخيها جالبةً اهتمامه قبل أن تقول:

– وليد، لا تتوقف أبدًا عن محاولة إشعال الضوء في الأجسام الباهتة، أقمارًا كانوا أم بشرًا.

تمـت وبحمد الله

Explore More

دعارة .. إنما على طريقة المثقفين!

0 استقلّ (طارق) الحافلة وهو يرزح تحت ثقل حقيبته على ظهره، فتّش ببصره عن مقعدٍ فارغ، فوجد اثنين.. الأول بجانب فتاة تحمل

تشرب قهوه

+1 لقد كان يجلس وحيدا ينظر إلى النيل ،كأنه يعاتبه بلا حراك مستسلما لنسمات الهواء البارده، وكانت السماء ملبده بالغيوم تحتوى المطر

Add a comment