إنتقام باستت

إستيقظت الكلبة على رائحة زهور اللوتس لتجد نفسها هى وصغارها الخمسة فى حديقة جميلة مليئة  بالأشجار والزهور والعشب الأخضر الكثيف وعلى مقربة منهم كان يوجد بركة صغيرة يصب فيها شلالاً جميلاً من صنع الألهة، وجعلت المياه المنحدرة من ذلك الشلال الجو رطبا لطيفا يبعث على الهدوء.

وظهرت أمامهم إمرأة  ذات رأس قطة ترتدى فستان أبيض من الكتان فعرفت الكلبة على الفور أنها باستت، إلهة الحيوانات  وحاميتهم. ركعت باستت على ركبتيها وإحتنضنتهم ورحبت بهم فسألتها الكلبة بإستغراب:

“أين نحن؟ وما هذا المكان الجميل؟”

إبتسمت باستت وأجابت: “أنتم فى آرو، جنة الخلد والنعيم.”

عندئذ فهمت الكلبة أن أرواحهم غادرت أجسادهم وعبرت بهم إلى العالم الأخر فنظرت إلى باستت وقالت:

“إذا،ً كان هذا الطعام الذى أكلناه مسموماً، وهو السبب فى مجيئنا إلى هنا، أليس كذلك؟”

أدمعت عينا باستت ثم هزت رأسها موافقة.

طاطأت الكلبة رأسها ولحست صغارها لتطمئن عليهم وقالت بأسي:

“لماذا يكرهنا البشر إلى هذا الحد؟! … ما الذى فعلناه لهم؟! لقد كنت فقط أبحث عن طعام لى ولأطفالى، لماذا يعذبوننا هكذا؟!” قالت الكلبة هذا ثم أجهشت فى البكاء.

بكت باستت هى الإخرى وإحتضنت الكلبة مرة ثانية وأجابتها:

“إنهم وحوش! قد تعفنت قلوبهم بالقسوة!”

بكت الكلبة فى حِضن باستت قليلأ ثم حررت نفسها ونظرت فى عينيى باستت وقالت وهى مازالت تبكى:

“لقد كان أصعب شىء فى الأمر برمته هو أننى ظللت أشاهد أطفالى وهم يصرخون ويبكون من الألم ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً! .. لماذا لم تحمينا منهم يا باستت؟ ألستى أمنا جميعاً؟”

أدمعت عينا باستت ثانية فقد سددت تلك الكلمة، كلمة ’’أم’’، سهماً موجعاً فى قلبها فقد كانت هى الإلهة التى خلقت جميع الحيوانات وأحبتهم حباً جماً، حب الأم لأبنائها، لكن ومن أجل المهلة التى أعطتها الألهة للبشر كى يتوبوا قبل أن تفعل هى أو أى من الألهة الإخرى أى شىء لمعاقبتهم، لم تستطع حماية الحيوانات من البشر ولكنها عزمت على تغيير ذلك وعزمت على الإنتقام فقد كانت هذه هى المرة الخامسة فى إسبوع واحد التى يعذب فيها البشر حيوان وتذهب روحه سدى نتيجة لذلك وقد طفح الكيل بها!

فإحتضنت باستت الكلبة لمرة ثالثة وأحكمت ذراعيها حولها هذه المرة لتحاول التهدئة من روعها ثم قالت:

“أنا حقاً آسفة ياعزيزتى، لكن لا تقلقى، سوف أنتقم لكى ولصغارك ولكل من سبقكوكى.”  وسكتت برهة ثم أكملت بلهجة عازمة على الإنتقام، محولة نظرها إلى بوابة آرو التى تخرج منها نحو الأرض: “سوف أجعلهم يدفعون الثمن غالياً!”

وأرادت باستت أن تُنسى الكلبة وصغارها ماحدث لهم فربتّت على رأسها وقالت لها: “لكن هيا، دعيكى من هذا، أنتى فى آرو الأن،” ثم أشارت إلى البركة القريبة وأكملت: “إشربوا بعض الماء من هذه البركة لتهدئوا فهى مُعدة خصيصاً لكى تُهدئ الأرواح التى وصلت للتو إلى آرو.”

شربت الكلبة وصغارها من ماء البركة ونفضوا عنهم وهل ما حدث لهم ثم أخذتهم باستت فى جولة لتريهم آرو التى أصبحت موطنهم الجديد وأعطتهم منزلاً جميلاً مبنياً من الحجر وبه حديقة خاصة به وبركة للشرب وألعاب كثيرة من أجل الصغار وأمهم أيضاً. وتمتعت الكلبة وصغارها بنعيم آرو حيث وجدوا من الجميع الحب والعطف اللذان عَوضاهم عن كل ما قاسوه وعانوه فى حياتهم على الأرض.

***

وبعدما إستقرت الكلبة وصغارها فى منزلهم الجديد، ذهبت باستت مباشرة إلى حجرة الحكم فى قصر ’رع’ الواقع شرقى آرو. ودعت باستت جميع الألهة عبر التخاطر الذهنى إلى الإجتماع فى تلك الحجرة فترك كل منهم ما كان يفعله وجاء ليحضر الإجتماع.

جلس الألهة على طاولة طويلة فى غرفة الحكم والتى كان يجتمع عليها الألهة لتقرير الأمور المصيرية و كان دائماً يرأس تلك الإجتماعات الإلة رع فقد كان رع إلهاً بهيئة رجل قوى البنية ذا رأس صقر وفوق رأسه قرص متوهج باللون الأصفر الفاتح يشبه قرص الشمس، وكان مهوب وعظيم جداً،هيبة وعظمة تليق به كإلة للشمس وخالق للكون وسيد للألهة جميعاً!

بدأ رع الإجتماع وقال: “حسناً، أنتم تعلمون أنه قد إجتمعنا اليوم بناءً على رغبة باستت فى معاقبة البشر من أجل إسائتهم معاملة الحيوانات وتعذيبها. فماذا تَرون؟”

أسرعت باستت وقالت: “أولاً، على عن أقول أنهم أصبحوا وقحين جداً ويعاملون الحيوانات كأنها كائنات أقل مكانة منهم، هذه إهانة كبيرة لى ولن أسكت عليها لحظة واحدة بعد الأن!”

“حسناً، حسناً ياباستت، أتفهم ذلك. ” قال لها رع بصوت رزين ليُهدئها ويُطمئنها أنه يستمع لها ويأخذ كلامها بعين الإعتبار.

وقال إله أخر بهيئة رجل يحمل على رأسه إوزة: “وأنا أيضاً على أن أقول أن كوكب الأرض يشتكى مر الشكوى منهم بسبب ما يفعلوه به غير مهتمين لشىء سوي المال! إنهم لا يهينون باستت فقط بل يهينونى ويهينوننا جميعاً!”  كان هذا الإله ’جِب’ إله الأرض.

فقالت ’ماعت’، إلهة الحق والعدل ذات ريشة النعام فوق تاجها: “الحقيقة هى أن تمهلنا عليهم جعلهم يستفحلون أكثر ويزدادون سوءً.”

” أنا أوافق ماعت فى هذا، لقد أصبحوا مثيرون للإشمئزاز جداً! فقد تركوا عبادتنا ومبادىء الحب والرحمة التى علمناهم إياها وعبدوا شهواتهم الأنانية ظانين أنهم فوق باقى المخلوقات وأن لهم الحق فى فعل ما يريدون بالكوكب وبمن عليه! … ليس هذا ما نريده على الإطلاق.” قال هذا ’توت’، إله الحكمة  ذا رأس طائر أبو منجل والذى كان دائماً ممسكاً بلفافة بردى فى إحدى يديه وقلم فى الإخرى لكى يدون مايحدث ويُسجل كل شىء تقرره الألهة.

وأضافت باستت: ” لن تتحقق إرادتنا فى أن يعيش البشر مع باقى المخلوقات فى وئام وإنسجام –إلا- إذا ذاقوا عواقب أفعالهم.”

فكر رع فيما قالته باستت والألهة الإخرى للحظة ثم قام عن كرسيه ووضع كفيه على الطاولة وسألهم:

“إذاً.. هل توافقون باستت أنه يجب أن ننهى المهلة ونبدأ عقابهم الآن؟”

أجابه الجميع بنعم واحداً تلو الأخر فقال: “وأنا أيضاً أرى ذلك.” ثم نظر بعينى الصقر الثاقبتين خاصته إلى باستت التى كانت على يساره وقال لها بحزم: “أريهم غضب الألهة ياباستت… لكى مطلق الحرية فى معاقبتهم كيفما تشائين.”

أحنت باستت رأسها إحتراماً لرع ثم قامت لتنفذ أمره. فسارت عبر الطاولة الطويلة بينما فتحت كفها الأيسر فى الهواء ليظهر صولجانها الذهبى فأحكمت قبضتها عليه وخرجت من الغرفة. وكانت عيناها الصفراوين تتوهجان كلهيب نار وسط وجهها الأسود وتُنذِران بشر مبين!

***

تركت باستت آرو وذهبت إلى الأرض، إلى منزل الرجل الذى وضع السم فى طعام الكلبة وصغارها. كان هو وزوجته يجلسان على أريكة أمام التلفاز ويشاهدون فيلماً كوميدياً، وإلى يسارهما طفل لم يتجاوز عمر السنتين نائم فى سرير للأطفال وعلى الجانب الأيسر من الغرفة، جلس طفل أخر فى الخامسة من عمره يلعب على الهاتف الذكى. وكان الرجل وزوجته يضحكان، غير آبهان لما فعلاه.

فحنقت عليهم باستت التى كانت تراقبهم دون أن تُظهر نفسها وكشفت عن أنيابها فى غيظ، ثم ذهبت ووقفت أمام شاشة التلفاز وأطفأته بينما أظهرت نفسها لهم فقفز الزوجان على الأريكة مرتعبين من هيأتها ومنظرها كإمرأة سوداء ذات رأس قطة وصرخت الزوجة آخذة الطفل الذى كان نائما فى حضنها بينما قفز الصبى الذى كان يلعب على الهاتف إلى الأريكة التى كان عليها أبواه وأخوه وإبتدأ فى البكاء وقال الرجل بسرعة وفزع:

“من أنتى؟ وكيف دخلتى إلى هنا؟! أشيطانة أنتى؟!”

فضحكت باستت ضحكة خافتة بإستهزاء ثم قالت له:

“بل أنتم الشياطين الحقيقين!”  ثم رفعت صوتها وأكملت: “أنا باستت إلهة الحيوانات وحاميتهم وقد جئت لكى أجعلكم تدفعون ثمن فعلتكم بالكلبة المسكينة وصغارها الذين وضَعت لهم السم ليلة أمس وزُهقت أرواحهم هذا الصباح!”

فتذكر الزوجان أنه يوجد إلهة ذات رأس قطة فى تاريخ مصر الفرعونى فأخذا يرتعشان ونزلا من على الأريكة وسجدا أمام باستت وقالت الزوجة وهى تبكى:

“أنا لم أفعل شيئاً، هو الذى وضع السم!”

فردت باستت بغضب: “حقاً؟! ألستى أنتى من طلب منه أن يتخلص من هؤلاء الكلاب حتى يكون أطفالك بأمان؟!” وصمتت برهة ثم أكملت بلهجة حادة: “إن كانوا يضايقونكم فعليكم أن تتحملوهم رغم أنفوكم، فهم ليسوا عبيداً لكم تفعلون بهم كما تشائون!”

فقال الزوج متوسلاً بصوت مرتعش: “لقد أخطأنا أيتها الإلهة العظيمة، أرجوكى سامحينا وسوف نهتم بجميع الحيوانات ونضع لهم الطعام والشراب ونوفر لهم كل ما يحتاجونه لكن أرجوكى سامحينا هذه المرة فقط!”

“نعم، نعم” أكدت زوجته بلهفة ورعب.

“لن يتحقق العدل إلا إذا جعلتكم تعانون ما عانته تلك الكلبة وصغارها.”

إبتدأ الزوجان يُقبلان قدمى باستت وقال الرجل:

“نتوسل الرحمة أيتها الإلهة العظيمة، نعلم أننا أخطأنا خطأً جسيماً لكننا لن نكرره أبدا، نعدكى بهذا..” ثم أشار إلى الصبى ذو الخمسة أعوام الذى إحتمى خلفهما حين نزلا عن الأريكة وأكمل: “أرجوكى.. إنظرى إلى أطفالنا وهذا الصبى الذى لا يتوقف عن البكاء من خوفه، من سَيُربى هؤلاء؟”

فسارت باستت نحو الأريكة وجلست عليها وردت وإبتسامة الإنتقام على وجهها:

“لهذا.. ستشاهدونهم يَموتون أولاً بنفس السم الذى وضعته فى طعام الكلبة” ثم أشارت بيدها نحو الطفلين فإبتدئا فى الصراخ والبكاء.

“لاااااااااااا!!” صرخ الزوجان وقفزت قلوبهم من صدورهم فزعاً لما سمعاه وأخذت الزوجة الطفل الأصغر فى حضنها لتواسيه بينما أخذ الزوج الطفل الأكبر فى حضنه هو الأخر وأخذ الزوجان يتوسلان وينتحبان:

“أرجوكى أيتها الإلهة الكريمة، ماذنب هؤلاء الصغار؟!”

فثارت باستت وصاحت: “وما ذنب تلك الجراوى؟! لقد ظلت أمهم تشاهدهم وهم يصرخون ويبكون من الألم وهى لا تستطيع فعل شىء لهم! عليكم أن تذوقوا نفس العذاب حتى يتحقق العدل!”

“نتوسل إليكى… لن نكررها مرة أخرى… أرجوكييييى”  قالها الزوجان بيأس وهم ينتحبان.

فقالت باستت: “لا تقلقوا، سوف يذهب الطفلان إلى آرو” ثم إنحنت وقَربَت وجهها من وجوههم وأكملت: “أما أنتم… فستموتون ميتة بطيئة ومؤلمة ثم بعد ذلك تأكل ’أمت’ قلوبكم وتظل أرواحكم هائمة إلى الأبد: موجودة ولا يراها أحد، موجودة ولا يسمعها أحد، موجودة وليست موجودة فى نفس اللحظة … هذا هو الجحيم!”

ولم يستطع الزوجان فعل شىء سوى البكاء والتوسل ثم بعد قليل جائت للزوجة فكرة فسكبت بعض الماء فى كوب من الطاولة التى كانت فى وسط الغرفة لكى تجعل الأطفال يستفرغون السم فعرفت باستت نيتها وقلبت بإشارة من يدها كوب الماء الذى حضرته ليقع على الأرض ويتكسر الكوب فتوسلت الزوجة مرة إخرى مع زوجها وهم يسجدان ويقبلان قدمى باستت ويولولان:

“أرجوكى الرحمة!!!”

فإنحنت باستت وأمسكت وجهيهما بيديها ثم رفعتهما نحوها وقالت: “لقد دخلت الكلبة وجراويها إلى آرو وكانوا لا يزالوا مصدومين مما فعلتوا بهم! أتتخيلوا هذا؟ أن يكون أحداً فى آرو ولاتزال الصدمة مطبوعة فى نفوسهم؟” ثم تركتهم وإعتدلت فى جلستها بينما قالت بحزم: “لذلك.. لا رحمة لمن لم يرحم.”

ثم فصلت باستت الزوجان عن أطفالهما جاعلة كل من الأطفال فى جهة والزوجان فى جهة إخرى من الغرفة وفصلت بينهما بحائط غير مرئى من المجال الكهرومغناطيسى بحيث لم يستطع الزوجان الإقتراب من الأطفال أو أن يقترب الأطفال من أبويهم وجعلتهم باستت يشاهدون الأطفال وهم يصرخون ويبكون حتى إبتدأ الزوجان يضربان الأرض بأيديهم وأرجلهم وهم يولولون من فرط إحباطهم وعدم قدرتهم على فعل أى شىء لأطفالهم تماما كما حدث مع الكلبة وجراويها.

وبعد خمس دقائق طويلة وقاسية على الزوجان، مات الطفلان فإلتفتت باستت إلى الزوجان الذين تورمت أعينهم ووجوهم من كثرة البكاء والنحيب وقالت:

“حان الأن دوركم لتذوقوا مر العذاب الذى سببتموه لتلك الأرواح المسكينة” وما أن إنتهت من قولها، إبتدأ الزوجان يشعران وكأن هناك سكاكين تُقطعهم من الداخل وإبتدئوا فى الصراخ الشديد فأكملت باستت ببرود: “ولكنكم لن تموتوا فى غضون عشرة دقائق… بل ستظلون تتعذبون لمدة أربع وعشرين ساعة كاملة، فهذا السم يقتل ببطىء وألم أكبر عشر مرات من الأخر.”

فإرتفع صوت صراخ الزوجين وإزداد أكثر وكانت باستت قد حاصرتهم فى شقتهم بمجال كهرومغناطيسى غير مرئى والذى قطع جميع الإتصالات عنهم وجعلهم غير قادرين على المغادرة أو أن يدخل أحد إليهم ويساعدهم فلم يكن أحد يستطيع سماع صراخهم حتى!

وغادرت باستت وتركتهم  لمصيرهم الذى حَكمت به عليهم.

***

وفى مكان أخر فى أحد القرى، كان هناك مُزارع فى خلاف مع جاره وأراد الإنتقام منه فقام فى منتصف الليل وأمسك بقطة من الشارع وسكب عليها بعض البنزين وأشعل فيها النار وأطلقها على أرض جاره لتجرى القطة المسكينة فى ذعر وهى تصرخ محاولة إطفاء النار التى إشتعلت فيها من حيث لا تدرى فتُشعل النار فى الحقل بأكمله وتفسده.

لكن جائت باستت فى الوقت المناسب وأطفأت جميع النيران المشتعلة ثم بسطت أيديها على جسم القطة فشُفيت وعادت صحيحة تماماً قبل أن يلمسها ذلك المُزارع ثم إلتقتطها باستت وإحتضنتها لكى تهدىء من روعها ثم إختفت وأظهرت نفسها فجأة أمام المُزارع الذى كان يتسائل كيف إنطفئت النيران وهى مازالت محتضنة القطة وناظرة إليه بعينيها الصفراوين المتوهجتان كالنار كاشفة عن أنيابها فإرتعب الأخير ولم يقدر على أن يتفوه بكلمة، فقد علم من هى فقالت له باستت وهى تجز على أسنانها:

“سوف تدفع ثمن هذا غالياً!”

فسجد المُزارع أمام باستت وقبل قدميها وقال برعب شديد وهو يرتعش:

“لن أكرر ذلك أيتها الإلهة المهوبة، لقد أدركت خطأى وجُرمى الشنيع الأن وسوف أكفر عن خطأى.. أنا خادمك، سوف أفعل أى شىء تأمرينى به.”

فقالت باستت:”بالتأكيد ستكفر عن خطأك وسوف تذوق ماذاقته تلك القطة المسكينة ليومين كاملين!” قالت باستت هذا ثم إشتعلت النيران فى الرجل الذى أخذ يركض فى هيستريا ويصرخ ويتوسل:

“الرحمة!.. الرحمة!.. أنا مستعد للتخلى عن حياتى لكن إرحمينى من هذا العذاب!!”

فثارت باستت ورفعت صوتها وقالت: “ولما لم ترحم تلك القطة؟! … تظنون أن تلك الحيوانات كائنات أقل مكانة منكم وتستبيحونها وكأنها لا تشعر ولا تحس! … يجب أن تذوقوا نفس ما تفعلوه بهم!”

وأيقظ صراخ الرجل وصياح باستت فيه أهالى القرية فقاموا ليروا مايحدث ففزعوا عندما رأوا الرجل، فقد كان منظره كرجلاً من النار، فأسرعوا نحوه لكنهم لم يقتربوا كثيراً منه وأشار عليه أحدهم أن يذهب ليسبح فى النيل القريب فذهب المُزارع فى لهفة إلى النيل وخلفه أهالى القرية على بعد آمن وغطس الرجل بالكامل فى المياه لكن لم تتأثر النيران المشتعلة فيه أبداً ولم تخفت رائحة الشياط المنبعثة منه بل إزدادت النيران وعَلى حسيسها.

 فقالت باستت التى كانت قد أخفت نفسها حين جاء أهالى القرية إلى المُزارع ثم أظهرت نفسها لهم على شاطىء النيل:

“إطمئنوا، لن تنطفئ هذه النيران بالماء أو البطاطين أو بأى شىء… فهذه نار غضبى!”

ولم يستطع الأهالى أو أى أحد فعل أى شىء للرجل وظل يتعذب طوال اليومين دون أن تنتقل النيران لأى شىء أخر حتى مات فى الخلاء متحولاً إلى رماد وخَمدت النيران أخيراً.

وطافت باستت كوكب الأرض بأكمله وبقدرتها على التواجد فى أكثر من مكان فى نفس اللحظة، أنقذت جميع الحيوانات التى خلقتها من أيدى البشر، معاقبة البشر بوحشية بالغة فحرقت قرية بأكملها يسكنها صيادين غير شرعيين مرة، ومرة إقتلعت رؤس البشر بأنيابها التى تقطع الصخر بمجرد لمسه! وأخذت باستت تفتك بالبشر فتكاً وتزداد قسوة ووحشية وعطشاً للدماء يوماً عن يوم حتى أنها بدأت فى قتل بشر لم يفعلوا شيئأ للحيوانات!

وفى أحد الليالى، وقفت على جبل عالٍ وأخذت تتأمل منظر الأضواء الصفراء القادمة من مدن البشر ثم قالت لهم:

“إستعدوا أيها البشر… فسوف أجعلكم تغرقون فى بحرٍ من الخوف والرعب!”

ثم فتحت كفها الأيمن فى الهواء وظهرت كرة من النور الأصفر الذهبى وقالت له:

“صِب كل بشر وإترك الحيوانات والنباتات وجميع الكائنات الإخرى.”

ثم نفخت فيها لتتفتت كرة النور إلى غبار أصفر مضىء وينتشر هذا الغبار فى أنحاء الكوكب فيصيب البشر بمرض جديد يسبب إلتهاب رئوياً وجلطات فى الرئة. وإنتشر المرض كالوباء ولم يقدر الأطباء على معرفة سببه أو كيف يُعالجونه.

وبهذا أعلنت باستت الحرب على البشر وعزمت على أن تفنيهم جميعاً من على وجه الأرض!

***

وبينما تفشى الوباء الذى نشرته باستت، ذهبت هى إلى القارة القطبية الجنوبية لتنشىء محمية من أجل حماية الحيوانات والنباتات بعيداً عن الدمار الذى نويت أن توقعه على البشر وجعلت بالمحمية جميع أنواع المناخ حتى يعيش كل حيوان ونبات وكائن فى بيئته المناسبة. وبعد أن إنتهت من إنشائها، أحطاتها بمجال كهرومغناطسيى بحيث لا يستطيع أحد أن يراها أو أن يدخل إليها أو يخرج منها. ثم ذهبت بعد ذلك لتُحضر جميع الحيوانات إليها كى يعيشوا فيها بأمان بينما تكمل هى حربها على البشر. وطلبت من أوزوريس أن يساعدها فى نقل النباتات إلى المحمية لكونه خالقهم ويعرف كيف يهتم بهم.

وبينما كانت باستت تجمع الحيوانات لكى تنقلها إلى المحمية، كان هناك جرو كان قد تبناه مالكه منذ شهرين فقط وجائت باستت إليه فى حجرة مالكه والذى كان صبياً ذو عشرة أعوام ووقفت أمام السرير اللذان كانا عليه فقام الجرو من جانب مالكه ورحب بها لكن لم يسمع الصبى الذى كان يلعب على الهاتف الذكى شىء سوى نباح الجرو ولم يكن يرى شىء سوى الجرو ينبح فى شىء ما أمامه لأن باستت جعلت نفسها غير مرئية للبشر فقال الصبى وهو يُربّت على الجرو لكى يجعله يهدأ:

“ما الأمر يا مايلو؟”

 وقالت باستت للجرو:

“هيا تعال معى حتى أنقلك إلى المحمية لكى تكون بأمان مما أنا فاعلة.”

فتعجب الجرو وسألها:

“ماذا سوف تفعلين؟ وهل يستطيع صديقى أن يأتى معى؟”

“بالطبع لا! فأنا أنوى إفناء البشر لسوء معاملتهم إياكم.”

فإرتعب الجرو ثم قال: “لكن.. أنا أحب صديقى وهو يحبنى ولا أريده أن يتأذى! أرجوكى لا تؤذيه هو أو عائلته.”

فقالت باستت: “أيها الساذج! إنهم يحبونك فقط لأنك مازلت صغيراً وتلعب كثيراً، لكن عندما تكبر وتمرض سوف يُلقون بك فى الشارع لتموت من الحزن والوحدة والجوع والألم!”

صُدِم الجرو الذى لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر من كلام باستت ولم يرد تصديقها فقالت له:

“إن لم تكن تصدقنى، تعال معى وسوف أريك كلاب كثيرة مثلك تخلى عنها أصحابها، وبعدها، إن أردت العودة إلى هنا، فسوف أعيدك ولن أقترب من صديقك وعائلته.”

فوافق الجرو وذهب ورائها عبر باب غرفة الصبى وما إن عبروها، أشارت باستت عليه بصولجانها فإختفى الجرو عن أبصار البشر ثم أخذته إلى حيث جمعت بعض الحيوانات فى ركن من الشارع الذى كان فيه منزل الجرو دون أن يراهم أحد ثم أشارت عليهم بحركة نصف دائرية من صولجانها ونقلتهم عن طريق التنقل الفورى إلى المحمية التى أنشأتها فى القارة القطبية الجنوبية وأتت بالجرو إلى حيث بيوت الحيوانات الأليفة فى المحمية عند كلب من نوع جريفون كانت قد أتت به إلى المحمية منذ وقت قصير وطلبت من هذا الكلب أن يحكى كيف تخلى عنه البشر فقص الكلب قصته:

“لقد تبنانى مالكى عندما كنت جرواً بعمر الشهرين وإنتقلت للعيش معه ومع عائلته وظننت أنهم يحبونى وأننى أصبحت فرداً من العائلة فقد كانوا يظهرون لى الكثير من الحب وأعطونى الكثير من الطعام ولم نتوقف عن اللعب سوى القليل جداً لكن عندما أصبحت بعمر العاشرة، أصبحت مفاصلى تؤلمنى  ولم أعد قادرا على اللعب كما كنت معتاداً وفى يوم ما، أخذونى فى سيارتهم وتركونى فى الشارع فى مكان لا أعرفه. ظللت أجرى وراء السيارة وأناديهم وأنا أبكى كى لا يتركونى وحدى ولكنهم ذهبوا ولم أستطع العودة إلى المنزل وظللت أبحث عن طعام ومكان للنوم وكان على الحذر من قاتلى الكلاب الذين يضعون السم فى الطعام ثم إنهالت علىَّ الأمراض وبدأت أفقد شعرى ولم أستطع النوم إلى أن أتت باستت وأخذتنى إلى هذا المكان وعالجتنى من أمراضى وشرحت لى ماذا حدث … لقد ظللت أفكر أنهم سوف يعودون يوماً ما وأنهم فعلوا ذلك لسبب وجيه …” وأدمعت عينا الكلب بينما أكمل: “لكنهم تخلوا عنى لمجرد أننى لم أعد قادراً على اللعب!”

حزن الجرو مايلو لسماع قصة هذا الكلب وبكى معه وأخذ يلحس وجهه حتى يواسيه، غير مصدق أن مالكه تخلى عنه لمجرد أنه أصبح غير قادر على اللعب.

فركعت باستت على ركبتيها وربّتت على مايلو وقالت:

“أرأيت؟ هناك الكثير من هذه القصص هنا، دُر علي الحيوانات ههنا وإستمع إلى قصصهم … سوف يفعل البشر معك نفس مافعلوه معهم، إنهم أشرار ولا يُأتَمنون! إنهم لا يستحقونك.” ثم نظرت إلى باقى الحيوانات التى جمعتها للتو والتى جمعتها من قبل وأكملت: “إنهم لا يستحقونكم أنتم الأوفياء!”

لم يرد مايلو تصديق كلام باستت أو قصة الكلب الجريفون لكن قصته وغيره من القصص المشابهة التى إستمع إليها إبتدأت تماماً كما هو الحال معه الأن فشعر الجرو أن عالمه الجميل الذى كان يعيش فيه قد إنهار وأنه سيصبح يوماً ما مثلهم فأصيب بالإكتئاب وقرر الإنتظار فى المحمية لكنه وبالرغم من ذلك، كان لا يزال قلق على صديقه ومالكه ويرى أنه مهما حدث، لا يستحق أن يموت ويختفى من على الأرض! فأخذ يتحدث إلى جميع الحيوانات الموجودة معه فى المحمية وأخذ يسألهم عن خبراتهم مع البشر.

***

وفى هذه الأثناء، إختفت جميع الحيوانات والنباتات وجميع الكائنات غير البشر من على وجه الأرض وأخذتهم باستت جميعاً ليعيشوا داخل المحمية التى أنشأتها. وإستفحل الوباء الذى نشرته باستت على كل الكوكب ولم تكتفى بذلك، بل طلبت من ’جب’، إله الأرض، أن يُهيج البراكين والزلازل ويجفف الأرض من النفط والغاز والمعادن النفيسة حتى تقطع على البشر موارد الإقتصاد التى يعتمدون عليها. وطلبت من أخويها  ’شو’ و ’تفنوت’ إلهى الهواء والماء أن يُهيجا عليهم العواصف والأعاصير والفيضانات والأمطار فكان البشر لا يعرفون من أين يلاقونها، هل كان عليهم معالجة نقص الطعام أم معالجة أمراضهم أم الهرب من الكوراث الطبيعية التى أحدثتها باستت أم علاج الإقتصاد! لقد كانت المصائب تنهال عليهم من كل حدب وصوب.

وفى أحد الأيام بينما كانت باستت خارج المحمية تستخدم صولجانها وتصوبه نحو مبانى البشر فيخرج منه شعاع نور أصفر ذهبى ويصيب المبانى فتسقط على من فيها، جائها رع ووقف أمامها  على سقف أحد المبانى وأمسك صولجانها قبل أن تصوبه نحو مبنى أخر وقال لها:

“ألا ترين أنكى تماديتى كثيراً؟”

فأجابته ببرود: “كلا، فأنا أنوى إفنائهم.” ثم إختفت من أمامه وذهبت إلى مبنى أخر فذهب رع ورائها ووقف أمامها مرة ثانية وقال بغضب:

“ليس هذا ما إتفقنا عليه!”

“لكنك أعطيتنى مطلق الحرية لمعاقبتهم كيفما أشاء!”

فصمت رع وتذكر أنه بالفعل أعطاها مطلق الحرية، ولم يرد أن يسحب كلمته، لكنه لم يتصور أن الإنتقام سيصل بباستت إلى هذا الحد. وتنهد رع وهو يراقبها تقفز من سطح مبنى إلى أخر تدمر كل شىء من صنع البشر ثم سمع صوت بعض الحيوانات التى فى المحمية وهى تنادى باستت من أجل أن تأتى إليهم ويتحدثوا معها فراقب رع باستت من بعيد ليرى ماذا ستفعل لكنها لم تستجيب فجاء رع إليهم فى المحمية ووقف أمامهم وسألهم:

“ماذا تريدون؟”

ففوجئت الحيوانات لمجيئه هو وليس باستت فأجاب مايلو:

“يا رع العظيم، نحن نريد أن نطلب من باستت أن تتوقف عن إفناء البشر، لما لم تأتى؟”

نظر رع إلى أسفل وتنهد ثم قال: “إنها مشغولة بإبادتهم ويبدو أنها قد أغلقت مسامعها عن كل شىء .. حتى ندائكم!”

فتوقف قلب الجرو للحظة وقال: “وماذا سنفعل؟! نحن نحتاج إلى أن نتحدث إليها الأن، فأنا قلق جداً على صديقى!”

وفكر رع لبرهة وهو ينظر للجرو ثم إبتسم وقال: “سآخذكم إليها، لكن علينا الإسراع فهى تقترب من منزل صديقك.”

ثم أشار رع بصولجانه فى حركة نصف دائرية ففتح المجال الكهرومناطيسى الذى جعلته باستت حول المحمية ليفتح على الشارع الذى يتواجد فيه منزل مالك مايلو فخرج رع مع الجرو ومجموعة من الحيوانات إلى الشارع  وبالكاد تعرف مايلو على الشارع فقد كان يبدو وكأن جميع الألوان قد إختفت وحل محلها اللون الرمادى! وأخذ مايلو وأصدقائه الحيوانات يسعلون أثناء سيرهم حيث كان الجو خانقاً مليئاً بالتراب الأسمنتى من كثرة الدمار و كانت سيارات الإسعاف تحاول الوصول إلى المصابين لإسعافهم لكن بسبب وجود الكثير من حطام المبانى فى الطريق، لم تستطع العبور فخرج المسعفين وركضوا فى يأس محاولين إسعاف من يقدرون على إسعافه وكان من الناس من يركضون ويصرخون فى ذعر هرباً من باستت وأخرين مستلقين على الأرض: بعضهم مصاب وبعضهم يحتضرون ويسعلون بشدة بسبب الوباء الذى نشرته باستت والبعض الأخر مستلقين دون حراك ميتين. كانت رائحة الموت تفوح من المكان كله وكانت أرض معركة بكل ما للكلمة من معنى حتى جائت على مايلو وأصدقائه موجة من الإكتئاب والإحباط الشديد .

أخذت الحيوانات تبحث عن باستت بينما سار مايلو يائساً نحو منزل مالكه عابراً سيارات محترقة وقافزاً عبر حطام المبانى المتواجدة فى الشارع وأخيراً وصل بصعوبة إلى منزل مالكه ليجد صديقه الصبى وعائلته عند بوابة العمارة التى يوجد بها شقتهم على وشك الهرب خوفاً من باستت فركض نحوهم وهو متحمس ويهز ذيله وفرحوا هم كثيراً لرؤيته لكن لم تكمل الفرحة ففى نصف ثانية، رأى مايلو باستت من ورائهم وقد وجهت صولجانها نحوهم فقفز بأقصى سرعة وقوة لديه حتى بدى أنه يطير وهو يصرخ فى ذعر:

“لاااااااااااا”

وخرج من الصولجان شعاع النور الأصفر الذهبى وأصاب مايلو وقتله فهرع الصبى نحوه وإلتقطه وإحتضنه وهو يبكى:

“مايلو! مايلو، أجبنى!” وأخذ يبكى بحرقة.

وفى نفس اللحظة ناداه والداه لكى يبتعد خوفاً عليه من باستت.

 وإرتبكت باستت مما فعله مايلو فصاحت فى روحه التى ظلت واقفة أمام صديقه وعائلته:

“أيها المجنون! ماذا فعلت؟!”

فأجابها: “أرجوكى لا تؤذيهم، أريدهم أن يعيشوا!”

ولم تمضى ثانية حتى فُتحت البوابة التى تعبر منها أرواح الحيوانات والنباتات إلى آرو مباشرة لكن رفض مايلو عبورها قبل أن يطمأن على صديقه.

ولم يرى تلك البوابة أو روح مايلو أحداً من البشر لكن الصبى علم أن باستت كانت تتحدث إلى روحه فرفع عيناه إلى باستت وتوسل وهو ينتحب:

“أتوسل إليكى أيتها الإلهة العظيمة، خذى حياتى أنا وأعيدى له حياته!”

فنظرت له باستت فى تعجب دون أن تتفوه بكلمة وقلبت عينيها بين الحاضرين فى إرتباك ثم أخذت روح الجرو والحيوانات الإخرى التى كانت معه وعادت بهم إلى داخل المحمية وذهب رع أيضاً معهم وأغلقت باستت البوابة خلفهم تاركة الصبى وعائلته يبكون أمام جثة جروهم.

وفى المحمية، وجدت باستت جميع الحيوانات مجتمعة حول النافورة التى فى وسط الحديقة المركزية وثارت باستت على مايلو وقالت له:

“أجننت أنت؟ لما فعلت هذا؟!”

“لا تهمنى حياتى، أردت فقط أن أحميه وأن يعيش هو وعائلته.”

فتنهدت باستت متضايقة فقال كلب أخر من الذين كانوا مع مايلو:

“كنا نريد أن نتحدث إليكى فقد إتفقنا جميعاً على أن نطلب منكى أن تتركى البشر يعيشوا.”

فنظرت له باستت وتعجبت: “ماذا؟!”

فقال مايلو: “ليس كلهم سيئين.”

وقد كانت الحيوانات تستطيع رؤية وسماع الأرواح فلم يكن صعباً أن يتواصلوا مع روح مايلو فدار الجرو عليهم وطلب منهم أن يتحدثوا عن العلاقة الطيبة بينهم وبين البشر.

فقال كلب من النوع الذى يعيش عادةً فى الشوارع: “أنتى تعلمين أنه قد عشت كثيراً فى الشارع لكن الرجل الطيب الذى أخذنى وعالجنى يحبنى كثيراً ويعاملنى كطفل له، تعلمين أن هذا نادر الحدوث مع كلبٍ مثلى وأنا أحبه وأشتاق إليه كثيراً وأريد أن أعود لأعيش معه!”

وقالت قطة: “وأنا أيضاً، لا أريد أن أعيش بدون صديقتى الجديدة، فهى من أنقذتنى من مساوىء كثيرة. أريد أن أعود إليها.”

ثم قالت فيلة آسيوية: “وأنا… من دون البشر الذين أنقذونى ومساعدتهم لى لكنت ظللت فى أيدى ذلك الشحات الذى أجبرنى على العمل دون راحة وكان يضربنى كى أسير! ألا يستحقوا أن يعيشوا من أجل إنقاذهم لى؟ لقد أحببتهم أنا أيضاً فقد سَخّروا لى الكثير من مواردهم كى أكون مُرتاحة!”

وقال كلب أخر: “وأنا… لقد أنفق صديقى الكثير من المال على علاجى وعّرض نفسه لكثير من المشاكل مع جيرانه من أجلى.. لا أريد أن يكون الفناء جزائه!”

وهكذا قص الكثير من الحيوانات قصصهم وخبراتهم الجيدة مع البشر الذين أنقذوهم وإعتنوا بهم وطالبوا باستت أن تتوقف عن إفنائهم فأخذت باستت تحدق بهم غير مصدقة ماتسمع وقالت:

“أتدافعون عنهم وهم سبب كل ماحدث لكم؟!”

فأجابها مجموعة منهم فى صوت واحد ويتقدمهم مايلو:

“ليس كلهم!”

ثم أكمل مايلو: “نحن نحبهم ونريد أن نعيش معهم وبجانبهم.. ألا يهمك سعادتنا ياباستت؟ نحن جميعاً نريدهم بجانبنا.”

“لكن… كيف؟!…”

فإبستم رع وقال لباستت:

“لماذا تتعجبين ياباستت؟ لقد خلقتى كائنات غاية فى الروعة مليئة بالحب والرحمة والوفاء” ثم أشار بيده نحو الحيوانات المجتمعة وأكمل: “إنهم مُحبون ويريدون أن يسود الحب. أليس الحب مفتاح الحياة ذاتها؟”

فنظرت باستت إليه فى إرتباك ثم قلبت عينيها بين رع ومايلو والحيوانات فى ذهول تام فسألت الحيوانات مرة إخرى حتى تتأكد مما تسمعه:

“أحقاً تريدون هذا؟!”

فأجابتها كل الحيوانات فى المحمية بنعم حتى الذين إسيئت معاملتهم من قبل. ولم يكن أمام باستت سوى تنفيذ ما أرادته الحيوانات فلم يكن يهمها سوي سعادتهم وراحتهم فتوقفت عن قتل البشر وتدمير كل مابنوه وقضت على الوباء الذى نشرته وطلبت من جب وشو وتفنوت أن يوقفوا سلسلة الدمار التى طلبت منهم أن ينفذوها وأعادت روح مايلو إلى جسده وسعد صديقه الصبى وعائلته كثيراً بعودته كما أعادت جميع الحيوانات إلى مالكيها وأماكنها كما كانت تعيش قبل أن تجمعهم فى المحمية.

لكن باستت لم تأمن البشر على إبقاء الحيوانات بأمان فعقدت عهداً معهم عن طريق كاهنها ونخبة من الحكماء وجمع غفير من البشر فى حوش معبدها الذى أعادت بنائه فى بوباست فى دلتا نيل مصر وإتفقت معهم على ألا يقربوا أى حيوان بأذى أو حتى يفكروا فى هذا وإن خالف أحدهم هذا العهد فسوف تعاقبه باستت فى لحظتها وقالت لهم بينما وقفت فى شرفة عالية فى المعبد وكان صوتها مسموعاً للجميع:

“تذكروا، أنه لولا شفاعة الحيوانات فيكم لما كنتم هنا الأن. لذا… –إياكم- أن تخذلوهم. وإعلموا أنهم مساوون لكم تماماً فى قدسية الحياة وحُرمتها.”

سجل توت بنود العهد على جدران المعبد وتعهد الناس بتنفيذه وعادت عبادة باستت ورع وباقى الألهة وأصبحت مبادىء الحب والرحمة هى السائدة وأخيراً تخلص البشر من وحشيتهم وأنانيتهم وإبتدئوا يستخدمون مهارتهم لصالح الكوكب كله وليس لصالحهم فقط وأصبحوا يعيشون فى ووئام وإنسجام مع جميع الحيوانات والطبيعة تماماً كما أراد الإله العظيم رع والألهة المبجلة منذ بدأ الخليقة.

***

النهاية

Explore More

دعارة .. إنما على طريقة المثقفين!

0 استقلّ (طارق) الحافلة وهو يرزح تحت ثقل حقيبته على ظهره، فتّش ببصره عن مقعدٍ فارغ، فوجد اثنين.. الأول بجانب فتاة تحمل

تشرب قهوه

+1 لقد كان يجلس وحيدا ينظر إلى النيل ،كأنه يعاتبه بلا حراك مستسلما لنسمات الهواء البارده، وكانت السماء ملبده بالغيوم تحتوى المطر

Add a comment