و صار بستاني حزينًا

كنا أربعة اطفال مازن و ماهر و ندى و أنا-بسمة- نذهب إلى بستان أبي القريب من ديارنا لللعب سويا . كان ذلك البستان هو فرحنا ولهونا . كان كثير الأشجار و كانت متنوعة فكنا نرى أشجار التفاح و نجلس أمامها لنشاهد التفاح وهو يتساقط . وهناك بالجوار أشجار الليمون الذي كنا نخشى الاقتراب كثيرًا منه خوفا من أشواكه ورغم هذا إلا أننا كنا نحب مشاهدتها و اللعب على مسافة ليست منها .ولا استطيع أن ان أنسى نخيل البستان الشاهقة فطرحها كان متعدد الالوان والأنواع والطعوم. كانت أشجار الزينة تكسوه جمالًا و راحة للناظرين كنا لا نعرف ماذا تصنع بنا تلك الزهور فكنا نجلس وسطها فقط نتأملها لوقت كبير و قد نتناول بعض أطراف الحديث الغير هادفة فنحن كنا ذوو خمس سنوات لا نعي الكثير ولا نعرف سوى اللعب. كان العم سالم يقوم برعاية البستان و الاعتناء بأشجاره ونخيله وزهوره و كل ما فيه.كان يلهو معنا كثيرا ونراه طفل مثلنا و رفيق يؤنسنا. فكانت عيناه يملؤهما الحنان ووجه لا يعرف لغة سوى الابتسامة. وبعد عام وحين كنا في السادسة في ليلة صافية قدم إلى الدار حيث أعيش مازن وندى يبكيان ولا تُفهَم كلمة من حديثهما حينما سألهما أبي عن سبب بكائهما , ولكن أمي ضمتهما إلى صدرها الحنون حتى هدأ روعهما و انحلت العقدة من لسانهما وأنا واقفة بزاوية من الغرفة أشاهد في صمت ما يحدث وعيناي مغرورقتان بالدموع كأن قلبي يعرف ما الذي يجري . وبدأ الطفلان بالكلام وأخبرا أمي و أبي أن ماهر والعم سالم والده سيغادران القرية بحلول الفجر لينتقلا للعيش في مكان آخر وحينما سألتهما أمي كيف عرفا أجابها مازن بأنه كان يلهو في الشارع و ذهب ليطلب من ماهر اللعب معه فوجد حقائب كثيرة بالببيت بعدما أذن له بالدخول ولما سأل ماهر أخبره وهو حزين أن أباه سيذهب به لمكان به أطفال كثيرة وطلب  من والده أن نذهب لنقيم معه ولكنه رفض ولم يخبره السبب فقال له: لماذا فلندعوا الله يا ابي كما علمتني ،فلندعوه بأن يقدموا للعيش معنا لاحقا -لا يا بني لا تقل هذا بل قل الله اجمع بيننا في الخير
ثم حزن مازن وانصرف وكان قد عرف  :المكان الماضون اليه, ولما سالته امي
أتعرف المكان يا صغيري ؟
– نعم يا عمة هو شئ غريب لم أسمع به من قبل مكان يدعى سبعة وخمسون ثلاثة سبعة وخمسون .لا أدري كيف سيقطنون أرقاما . هل الأرقام تقطن يا عمي ؟
فرت الدموع هاربة من عيون الوالدين كأنهما يعرفان هذا و لم يخبرا به الاطفال
ندى :
هل أزعجنا العم سالم في شئ ؟ إن كنا فعلنا فهذا بدون قصد منا، نحن نحبه أخبريه يا عمتي و أخبره يا عمي أننا مستاؤن من أفعالنا تلك ونحن نحب ماهرًا فنحن نشأنا سويا ورأينا بعضنا أخوة فكل منا ليس لديه اخ او اخت يؤنسه ويأنس به.
بدت علامات الشفقة المخلوطة بملامح العجز عن الرد على والديا ثم قالت امي :
لا تقولي هذا يا حلوتي العم سالم أخبرنا أنه سيذهب هو وماهر وسيعودان متى شاء الله بذلك علينا أن ندعوا الله بأن يوفقهما الله في أمرهما كي يعودا سريعا
و اكتفى والديّ بضم ثلاثتنا نحن الأطفال إليهم و وعدانا بأننا سنزور ماهر ذات مرة و لكن ليس قريبُا جدًا فهدأ ذلك من روعنا .و في ذات الليلة قدم أهل ندى و مازن يبحثان عنهما و قدم أيضا العم سالم وماهر لنجتمع قبل الفراق و قضينا وقتًا جميلًاا مليئًأ بمشاعر الفراق المحزنة.

  • غادر العم سالم وماهر و أطل الصبح علينا وتجمع ثلاثتنا لنذهب للبستان وذهبنا إلى بيت ماهر نسأل مجيئه معنا إلى البستان و لما لم يجب أحد ظننا في أنفسنا انه قد يكون ذهب مع العم سالم قبلنا و لما وصلنا البستان أخذنا نفتش عنهما ناسين ما حدث الليلة الماضية وجلسنا دون لهونا المعتاد ولم يطل جلوسنا ورجعنا حزينين إلى بيوتنا .
    ويتكرر ذهابنا إلى البستان يوما بعد يوم و لكن لم نعد نحن فجزء منا مفقود حتى انقطع ذهابنا إلى البستان .وبعد أشهر لم يعد العم سالم ولم نرَ ماهر فذهبت إلى البستان كي أراهما في زهورها و عبقها. جلست وحيدة فلم يشأ مازن أو ندى المجئ . الأشجار خضراء لكنها حزينة و نخيله دامع و زهرها حي فاقد الحيوية فزادت شجوني .
    ذهب العم سالم و ماهر , ومن بعدهما ندى ومازن انقطعا عن المجئ ، الاشجار كانت فرحة ناضرة لتواجدهم كأنهم من يعطونها حيويتها . غاب الاطفال  و دمع البستان وصار بستاني حزينًا

Explore More

English books

0 1) HER 2) Psychology 3) The yes brain 4) Finish what you start 5) The dark betweek stars 6) The first

Add a comment